ابن أبي الحديد
99
شرح نهج البلاغة
فرجع إلى معاوية فأخبره فقال : يا أبا حوثرة ، لقد عتا بحق هذا جدا . ثم وجه إليه جيشا أكثره أهل الكوفة ، فلما نظر إليهم حوثرة ، قال لهم : يا أعداء الله ، أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه ، وأنتم اليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه ! فخرج إليه أبوه ، فدعاه إلى البراز ، فقال : يا أبت ، لك في غيري مندوحة ، ولى في غيرك مذهب ، ثم حمل على القوم وهو يقول : أكرر على هذى الجموع حوثرة * فعن قليل ما تنال المغفرة فحمل عليه رجل من طيئ فقتله ، فلما رأى أثر السجود قد لوح جبهته ندم على قتله ( 1 ) . وقال الرهين المرادي أحد فقهاء الخوارج ونساكها ( 2 ) : يا نفس قد طال في الدنيا مراوغتي * لا تأمنن لصرف الدهر تنغيصا إني لبائع ما يفنى لباقية * إن لم يعقني رجاء العيش تربيصا ( 3 ) وأسال الله بيع النفس محتسبا * حتى ألاقي في الفردوس حرقوصا ( 4 ) وابن المنيح ومرداسا وإخوته * إذ فارقوا هذه الدنيا مخاميصا قال أبو العباس : وأكثرهم لم يكن يبالي بالقتل ، وشيمتهم استعذاب الموت ، والاستهانة بالمنية . ومنهم الهازئ بالأمراء ، وقد قدم إلى السيف ، ولى زياد شيبان بن عبد الله الأشعري - صاحب مقبرة بنى شيبان - باب عثمان وما يليه بالبصرة ، فجد في طلب الخوارج ، وأخافهم ، فلم
--> ( 1 ) الكامل 578 ، 579 ( 2 ) في الكامل : ( وكان رجلا من مراد ، وكان لا يرى القعود عن الحرب ، وكان في الدهاء والمعرفة والشعر والفقه بقول الخوارج بمنزلة عمران بن حطان في وقته شاعر قعد الصفرية ورئيسهم وفقيههم ) . ( 3 ) التربيص : الانتظار ، وهو تمييز محول عن الفاعل ، أي لم يعوقني الامل في الحياة . ( 4 ) حرقوص : ذو الثدية ، وهو من رجالهم .